ابن الجوزي

254

صفة الصفوة

وعن أبي مسلم الخولاني قال : أتيت مسجد دمشق فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وإذا شاب فيهم أكحل العين برّاق الثنايا . كلما اختلفوا في شيء ردّوه إلى الفتى . قال : قلت لجليس لي : من هذا ؟ قالوا : هذا معاذ بن جبل . وعن الواقدي ، عن أشياخ له قالوا : كان معاذ رجلا طوالا أبيض حسن الشّعر عظيم العينين مجموع الحاجبين جعدا قططا . ذكر نبذة من زهده : عن مالك الداري أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرّة فقال للغلام : اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تلّه ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع . فذهب الغلام ، قال : يقول لك أمير المؤمنين : اجعل هذه في بعض حاجتك . قال : وصله اللّه ورحمه . ثم قال : تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان ، حتى أنفذها . فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعدّ مثلها لمعاذ بن جبل فقال : اذهب بها إلى معاذ بن جبل ، وتلّه في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع . فذهب بها إليه قال : يقول لك أمير المؤمنين : اجعل هذه في بعض حاجتك فقال : رحمه اللّه ووصله . تعالي يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا ، اذهبي إلى بيت فلان بكذا . فاطلعت امرأته فقالت : ونحن واللّه مساكين فأعطنا ، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران ، فدحا « 1 » بهما إليها فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك فقال : إنهم إخوة بعضهم من بعض . ذكر نبذة من ورعه : عن يحيى بن سعيد قال : كانت تحت معاذ بن جبل امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يشرب في بيت الأخرى الماء .

--> ( 1 ) دحا الشيء بسطه ، والمراد انه أعطاها إياهما .